• Home
  • Team
  • Originals
  • Signature
  • Stories
  • Beyond
  • Vote

Fadover

  • Home
  • Team
  • Originals
  • Signature
  • Stories
  • Beyond
  • Vote
Back to all posts

روجيه فغالي … الرجل الذي تعلّم أن يهزم السرعة بالعقل - شربل الغاوي

روجيه فغالي … الرجل الذي تعلّم أن يهزم السرعة بالعقل - شربل الغاوي

في رياضة الراليات، لا تصنع السرعة وحدها سائقًا كبيرًا، كما لا تصنع القوة الميكانيكية بطلًا، ولا تكفي الجرأة، مهما بلغت، كي تمنح صاحبها مكانًا في ذاكرة الرياضة. فالطريق لا يكافئ من يضغط أكثر، بل من يعرف متى يضغط، وأين يضغط، وإلى أي حد يمكنه أن يضغط من دون أن تتحول السرعة إلى خطأ. الرالي ليس سباقًا بين المحركات فقط، بل مواجهة دقيقة بين الإنسان والزمن، بين أعصابه وحدود السيارة، وبين ما يراه بعينيه وما يشعر به بجسده قبل أن يظهر على الطريق. ومن هنا يمكن قراءة روجيه فغالي، لا كاسم ارتبط بالانتصارات فحسب، بل كسائق بنى أسلوبه على معرفة عميقة بالسيارة، وعلى قدرة نادرة في تحويل السرعة من اندفاع إلى قرار، ومن مخاطرة إلى حساب، ومن لحظة خاطفة إلى أداء متكامل.

فغالي لا يقود الطريق كما يراه الجمهور. الجمهور يرى المنعطف، أما هو فيرى ما قبل المنعطف وما بعده. يرى نقطة الفرملة قبل أن يصل إليها، ويحسب طريقة دخول السيارة، ويعرف أين يجب أن يكون وزنها، وكيف ينبغي أن تخرج من المنعطف وهي مهيأة للمنعطف التالي. وفي الوقت نفسه، هناك صوت الملاح، وحركة الإطارات، واستجابة المحرك، ودرجة تماسك الأسفلت، وتفاصيل صغيرة قد لا يلتقطها المشاهد، لكنها بالنسبة إلى السائق قد تكون الفارق بين زمن جيد وزمن حاسم. لهذا فإن سرعة فغالي ليست حركة منفصلة، بل سلسلة من القرارات المتلاحقة التي تحدث في أجزاء من الثانية. هو لا يطارد الطريق بعينيه؛ يقرأه قبل أن يصل إليه.

وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم نقاط قوته. روجيه فغالي لا يتعامل مع السرعة باعتبارها اندفاعًا أعمى، بل باعتبارها فنًا لإدارة المخاطرة. في الرالي، ليس أسرع دخول إلى المنعطف هو بالضرورة أسرع طريقة للخروج منه، وليس الانزلاق الأكبر دليلًا على القيادة الأفضل، وليس الصوت الأعلى للمحرك دليلًا على الزمن الأسرع. أحيانًا يحتاج السائق إلى أن يكون أكثر هدوءًا في لحظة معينة حتى يصبح أكثر شراسة بعد أمتار قليلة. وقد يخسر جزءًا من الثانية في مكان، لكنه يستعيدها في المكان التالي لأنه حافظ على توازن السيارة وخروجها. هنا تحديدًا تظهر الخبرة: أن تعرف أن الرالي لا يُربح في المنعطف الذي أمامك فقط، بل في المنعطفات التي لم تصل إليها بعد.

ولهذا فإن فغالي لا يقود المرحلة كأنها مجموعة لحظات منفصلة، بل يتعامل معها كأنها جملة واحدة طويلة. كل منعطف فيها مرتبط بالذي يليه، وكل فرملة تؤثر في الخروج، وكل خروج يحدد موقع السيارة في المنعطف التالي. إذا استهلك الإطار أكثر مما ينبغي في البداية، سيدفع الثمن لاحقًا. وإذا بالغ في الضغط في مكان لا يحتاج إلى المخاطرة، قد يخسر تماسك السيارة في المكان الذي يحتاج فيه إلى الهجوم. لذلك فإن السائق الحقيقي لا يبحث عن أسرع لحظة فقط؛ يبحث عن أسرع إيقاع يمكن الحفاظ عليه حتى النهاية.

ومن هنا تأتي أهمية الإحساس بالسيارة عند فغالي. السائق المحترف لا ينتظر دائمًا أن تخبره السيارة بأنها تجاوزت حدودها؛ يشعر بذلك قبل أن يحدث. حركة بسيطة في المقود، تغير طفيف في استجابة السيارة عند الفرملة، اختلاف في حركة الجزء الخلفي، أو تبدل في سطح الطريق، كلها إشارات يمكن أن تتحول في عقل السائق الخبير إلى قرار فوري. السيارة بالنسبة إليه ليست آلة صامتة، بل كائن يتحدث معه من خلال الاهتزاز، والوزن، والصوت، والمقود، والإطارات. وكلما طالت خبرة السائق، أصبح أكثر قدرة على فهم هذه اللغة.

وهذه تحديدًا إحدى نقاط القوة في فغالي: أنه لا ينتظر الخطأ كي يتصرف. يشعر بالخطر قبل أن يصبح خطأً، ويشعر بحدود الإطار قبل أن يصل إلى فقدان التماسك، ويعرف أن السيارة عندما تبدأ بإعطائه إشارة مختلفة يجب أن يتغير معها. ولهذا فإن خبرته لا تظهر فقط عندما تكون السيارة في أفضل حالاتها، بل تظهر أكثر عندما تكون الظروف صعبة، لأن السائق الكبير لا يُقاس بقدرته على القيادة عندما يكون كل شيء مثاليًا، بل بقدرته على استخراج الأداء عندما لا يكون شيء مثاليًا.

ولعل أكثر ما يميز فغالي خلف المقود هو قدرته على الانتقال بين الهجوم والهدوء من دون أن يفقد السيطرة على إيقاعه. هناك لحظات يكون فيها الهجوم ضرورة، ولحظات يصبح فيها الحفاظ على السيارة أهم من محاولة انتزاع أجزاء إضافية من الثانية. السائق الذي لا يعرف إلا الهجوم قد يهزم نفسه بنفسه، والسائق الذي يخشى المخاطرة لن يصنع الفارق. أما فغالي، فخبرته جعلته يعرف أن لكل مرحلة حساباتها، وأن القيادة لا تحتاج إلى أن تكون في أقصى سرعة في كل متر، بل أن تكون في السرعة الصحيحة في المكان الصحيح.

وهنا تصبح الخبرة أكثر قيمة من الجرأة. فالجرأة يمكن أن تدفعك إلى حدود السيارة، أما الخبرة فتخبرك أين توجد هذه الحدود أصلًا. السائق الأقل خبرة قد يرى المنعطف فرصة للضغط، بينما يرى السائق الخبير ما بعد المنعطف أيضًا. قد يعرف أن الدخول بعنف سيجعل السيارة تخسر سرعتها عند الخروج، وأن الهدوء لجزء من الثانية قد يمنحه انطلاقة أفضل. لذلك فإن القيادة السريعة ليست دائمًا الأكثر عنفًا. أحيانًا تكون أكثر القيادات سرعة هي تلك التي تبدو من الخارج أكثر هدوءًا، لأن السائق لا يقوم بأي حركة لا يحتاج إليها.

كل حركة إضافية في الرالي لها ثمن. كل تصحيح غير ضروري للمقود، وكل انزلاق لا يخدم الخط، وكل فرملة زائدة، كلها أجزاء من الزمن. ولهذا فإن السائق الكبير يحاول أن يجعل السيارة تتحرك بأقل قدر ممكن من الفوضى. لا يريد أن يقاتل السيارة؛ يريد أن يجعلها تنفذ ما يريده. وهذا ما يمنح قيادة فغالي ذلك الإحساس بالدقة حتى عندما تكون السرعة هائلة.

أما وادي شحرور، فله في هذه الحكاية مكان مختلف تمامًا. فهو ليس مجرد مسار آخر في روزنامة السباقات، ولا مجرد نقطة على خريطة رياضية. إنه المكان الذي يحمل من ذاكرة روجيه فغالي ما لا تستطيع النتائج وحدها أن تشرحه. هناك، في مسقط رأسه، تصبح العلاقة بين السائق والطريق أكثر حميمية؛ فالطريق ليس غريبًا عنه، والجمهور ليس جمهورًا عابرًا، والمشهد يحمل شيئًا من العودة إلى الجذور.

وفي وادي شحرور، لا تختصر الحكاية في نتائج أو أزمنة. الأهم هو العلاقة بين فغالي والمكان. فمسار تسلق الهضبة، بما يفرضه من دقة وهامش ضيق للخطأ، ينسجم مع طبيعة قيادته التي تقوم على الحساب والسيطرة. هناك لا توجد مساحة كبيرة لإخفاء الخطأ؛ كل منعطف له وزنه، وكل فرملة لها توقيتها، وكل خروج من المنعطف يمكن أن يصنع فارقًا. لذلك يصبح الطريق اختبارًا مباشرًا لقدرة السائق على تحويل معرفته إلى أداء.

لكن الأرقام، مهما كانت مهمة، لا تختصر علاقة روجيه بالمكان. وادي شحرور هو المكان الذي يعود إليه فغالي لا كضيف، بل كابن. هناك يصبح الانتصار أكثر قربًا، لأن السائق لا يدخل الطريق فقط بعين الرياضي، بل بذاكرة ابن يعرف المكان ويعرف الناس ويعرف معنى أن يعود إليهم من بوابة المنافسة.

وهنا تصبح بلدة وادي شحرور جزءًا من هوية فغالي الرياضية. المكان الذي يرتبط بالجذور يصبح أيضًا مسرحًا للإنجاز. والطريق الذي يراه الآخرون مجرد مسار للسرعة يصبح بالنسبة إليه مساحة تحمل الذاكرة والانتماء. ولذلك فإن الحديث عن روجيه فغالي من دون وادي شحرور يترك جزءًا من الصورة ناقصًا؛ لأن بعض الأماكن لا تكون خلفية للحكاية، بل تكون جزءًا من الحكاية نفسها.

وعندما ننتقل إلى رالي لبنان، تتغير طبيعة الاختبار. هنا لا يكفي أن تكون سريعًا في لحظة. عليك أن تدير الرالي بأكمله. هناك مراحل، وإطارات، وتغيرات في الطريق، وحرارة، وضغط، ومنافسون، وأعطال محتملة، وقرارات لا يمكن التراجع عنها. وكل ذلك يجعل السائق أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تهاجم من دون أن تستنزف نفسك وسيارتك؟ وكيف تحافظ من دون أن تمنح المنافس فرصة؟

فغالي يتعامل مع هذه المعادلة بوضوح. لا يقود وكأن كل مرحلة سباق مستقل، بل يعرف أن المرحلة جزء من نتيجة أكبر. قد تكون المحافظة هي القرار الأسرع، وقد يكون الهجوم هو القرار الأقل مخاطرة عندما يحتاج إلى صناعة الفارق. هذه المفارقة هي جوهر الراليات: أحيانًا تكون الجرأة في أن تضغط، وأحيانًا تكون الجرأة في أن تعرف متى تتوقف عن الضغط.

وفي اللحظات التي يصبح فيها الفارق ضئيلًا، تظهر شخصية فغالي بصورة أوضح. عندما لا تفصل بين السائق والمنافس إلا أجزاء قليلة من الثانية، يصبح التركيز أصعب من السرعة نفسها. يعرف أن كل منعطف يمكن أن يقلب النتيجة، لكنه لا يستطيع أن يسمح لهذا الضغط بأن يغيّر أسلوبه. هنا لا يعود السؤال من هو الأكثر جرأة، بل من هو الأكثر قدرة على البقاء هادئًا عندما تصبح كل ثانية ثقيلة.

العقل الذي يبقى هادئًا عندما تضيق المسافة هو الذي يستطيع أن يصنع الفارق.

ومن المهم أيضًا أن فغالي لم يبنِ أداءه على سيارة واحدة. عبر مسيرته، تعامل مع سيارات مختلفة وشخصيات ميكانيكية مختلفة. تغيرت القوة، وتغير الوزن، وتغيرت أنظمة التعليق والإطارات والدفع والاستجابة، لكن جوهر قيادته بقي حاضرًا. وهذه نقطة أساسية في تقييم السائق، لأن السيارة قد تمنحك شخصية معينة، لكنها لا تمنحك القدرة على التكيف معها. تلك القدرة تأتي من السائق.

وهنا تظهر قيمة فغالي مرة أخرى: هو لا يحاول أن يفرض نفسه على السيارة، بل يتعلم شخصيتها ثم يستخرج منها أقصى ما تستطيع تقديمه. يعرف نقاط قوتها، ويعرف أين يجب أن يستفيد منها، ويعرف أين يجب أن يعوض نقاط ضعفها بالقيادة. ولهذا فإن نجاحه لا يمكن اختزاله في السيارة التي يقودها. السيارة تمنح الأدوات، أما السائق فيحوّل الأدوات إلى نتيجة.

ومن هذه الزاوية يصبح الحديث عن روجيه فغالي حديثًا عن الذكاء خلف المقود بقدر ما هو حديث عن الشجاعة. لأن الشجاعة وحدها قد تدفع السائق إلى تجاوز الحدود، لكن الذكاء يجعله يعرف أين تقع الحدود وكيف يقترب منها من دون أن يسقط عنها. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين لحظة مثيرة ومسيرة طويلة.

أما الكلمات التي اختار روجيه فغالي بنفسه أن يكتبها في منشوره، فتفتح بابًا مختلفًا على الإنسان خلف السائق. فقد اختار مزمور ١٤٤، ويوحنا ٣:١٦، وفيلبي ٤:١٣. ليست هذه الآيات كلمات كتبها أحد عنه أو أُضيفت إلى صورته من الخارج، بل اختارها هو وكتبها، ولذلك فإنها تحمل دلالة شخصية تتجاوز المشهد الرياضي.

في هذه الآيات حضور للقوة والإيمان والمحبة والثبات والقدرة على مواجهة الصعوبات. وعندما تأتي هذه الكلمات من رجل قضى سنواته في مواجهة الطريق والزمن والمخاطر، فإنها تفتح زاوية أخرى لفهم شخصيته. فالسائق يحتاج إلى قوة، لكن القوة وحدها لا تكفي. يحتاج إلى ثبات عندما تتغير الظروف، وإلى إيمان عندما تصبح النتيجة معلقة بلحظة، وإلى قدرة على العودة بعد كل اختبار.

وهنا يصبح روجيه فغالي صورتين في رجل واحد: السائق الذي يطارد أجزاء الثانية، والإنسان الذي يحمل إيمانه معه إلى خط الانطلاق. الأول يتعامل مع المنعطف، والثاني يتعامل مع الحياة. الأول يعرف كيف يسيطر على السيارة، والثاني يعرف أن الإنسان نفسه يحتاج إلى ما يستند إليه عندما تصبح الطرق أكثر صعوبة.

ولهذا، فإن قراءة روجيه فغالي لا يجب أن تتوقف عند صوت المحرك أو مشهد السيارة وهي تعبر المنعطف. القيمة الحقيقية موجودة في التفاصيل التي لا يراها الجمهور بسهولة: في توقيت الفرملة، في اختيار الخط، في مقدار الضغط على الإطار، في طريقة المحافظة على السيارة، في الإصغاء للملاح، في القدرة على تغيير الإيقاع، وفي الهدوء الذي يأتي في اللحظة التي يتوقع فيها الجميع مزيدًا من الاندفاع.

فغالي لا يطارد السرعة؛ هو يروّضها.

ولا يحاول أن يهزم الطريق بالقوة؛ يفهمه أولًا، ثم يمر من خلاله.

ولا يدخل كل منعطف ليُثبت أنه شجاع؛ يدخل وهو يعرف ماذا يريد من المنعطف الذي يليه.

وهنا تكمن عظمة الأداء.

ليس في أن السيارة تصل إلى سرعة عالية، بل في أن يبقى السائق هو صاحب القرار عندما تصل إليها.

ليس في أن تنزلق السيارة، بل في أن يكون الانزلاق محسوبًا.

ليس في أن تضغط أكثر، بل في أن تعرف أن لحظة رفع القدم قد تكون أحيانًا أهم من لحظة الضغط.

وليس في أن تصل إلى خط النهاية فقط، بل في أن تصل إليه وأنت تعرف أن كل متر قبله كان جزءًا من قرارك.

وفي النهاية، قد يستطيع كثيرون أن يقودوا بسرعة.

وقد يستطيع بعضهم أن يفوز.

لكن القليل يستطيع أن يجعل السرعة أسلوبًا في التفكير، والخبرة لغة، والطريق ذاكرة.

وهذا هو روجيه فغالي.

رجل لم يجعل السرعة مجرد وسيلة للفوز، بل جعلها فنًا يقوم على المعرفة والانضباط والشجاعة.

وفي وادي شحرور، حيث تتقاطع الذاكرة مع الطريق، يبدو المشهد أكثر اكتمالًا: ابن المكان يعود إليه، يمسك المقود، ينطلق، ويترك خلفه على الأسفلت شيئًا لا تمحوه السيارات التي تأتي بعده.

فالطريق ينتهي عند خط النهاية، أما أثر السائق الحقيقي فيبقى بعده.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

10/07/2026

  • Share
    روجيه فغالي … الرجل الذي تعلّم أن يهزم السرعة بالعقل - شربل الغاوي

    Share link

in The Iconers

You are visitor number: 726

The Iconers | All Rights Reserved © 2026

Some images ©

  • Log out